الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

57

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقدم الإيمان على الكفر لأن إيمانهم مرغوب فيه . وفاعل المشيئة في الموضعين ضمير عائد إلى ( من ) الموصولة في الموضعين . وفعل « يؤمن ، ويكفر » مستعملان للمستقبل ، أي من شاء أن يوقع أحد الأمرين ولو بوجه الاستمرار على أحدهما المتلبس به الآن فإن العزم على الاستمرار عليه تجديد لإيقاعه . وجملة إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما دل عليه الكلام من إيكال الإيمان والكفر إلى أنفسهم وما يفيده من الوعيد كلاهما يثير في النفوس أن يقول قائل : فما ذا يلاقي من شاء فاستمر على الكفر ، فيجاب بأن الكفر وخيم العاقبة عليهم . والمراد بالظالمين : المشركون قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . وتنوين ناراً للتهويل والتعظيم . والسرادق - بضم السين - قيل : هو الفسطاط ، أي الخيمة . وقيل : السرادق : الحجزة - بضم الحاء وسكون الزاي - ، أي الحاجز الذي يكون محيطا بالخيمة يمنع الوصول إليها ، فقد يكون من جنس الفسطاط أديما أو ثوبا وقد يكون غير ذلك كالخندق . وهو كلمة معربة من الفارسية . أصلها ( سراطاق ) قالوا : ليس في كلام العرب اسم مفرد ثالثه ألف وبعده حرفان . والسرادق : هنا تخييل لاستعارة مكنية بتشبيه النار بالدار ، وأثبت لها سرادق مبالغة في إحاطة دار العذاب بهم ، وشأن السرادق يكون في بيوت أهل الترف ، فإثباته لدار العذاب استعارة تهكمية . والاستغاثة : طلب الغوث وهو الإنقاذ من شدة وبتخفيف الألم . وشمل يَسْتَغِيثُوا الاستغاثة من حر النار يطلبون شيئا يبرد عليهم ، بأن يصبوا على وجوههم ماء مثلا ، كما في آية الأعراف وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [ الأعراف : 50 ] . والاستغاثة من شدة العطش الناشئ عن الحر فيسألون الشراب . وقد أومأ إلى شمول الأمرين ذكر وصفين لهذا الماء بقوله : يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ . والإغاثة : مستعارة للزيادة مما استغيث من أجله على سبيل التهكم ، وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضده . والمهل - بضم الميم - له معان كثيرة أشبهها هنا أنه دردي الزيت فإنه يزيدها التهابا